![]() |
حين يصبح المنصب تقييما للإنسان
من أكثر الأمور التي تستوقفني في حياتنا اليومية ذلك التفاوت الغريب في طريقة تعاملنا مع الناس. أحيانا لا يتغير الإنسان من حولنا، لكن الذي يتغير هو منصبه، فنجد أنفسنا نتعامل معه بطريقة مختلفة تماما. كأن قيمة الإنسان لا تعرف من أخلاقه وعلمه وشخصيته، وإنما من الكرسي الذي يجلس عليه أو المسمى الوظيفي الذي يحمله. في بيئة العمل يبدو الأمر أكثر وضوحا. فقد يكون العامل أو الموظف البسيط شخصا خلوقا، أمينا، متقنا لعمله، ويؤدي ما عليه بكل إخلاص، ومع ذلك لا يحظى من بعض الناس إلا بالقليل من الاحترام. يكفي أن تكون وظيفته بسيطة حتى ينظر إليه البعض نظرة دونية، وكأن بساطة المهنة تنتقص من قدر صاحبها. وقد تجد من يتحدث إليه بطريقة لا يجرؤ على استخدامها مع مدير أو مسؤول، فقط لأنه يعرف أن هذا العامل لا يملك سلطة عليه. الإنسان لا يعرف فقط بطريقة حديثه مع من هو أعلى منه، وإنما يعرف أكثر بطريقة حديثه مع من هو أضعف منه. هل يحفظ له كرامته؟ هل يصبر عليه؟ هل يخاطبه باحترام؟ أم إنه يرى في وظيفته البسيطة مبررا للتعالي عليه؟ لكن المشهد يتغير تماما عندما يكون الإنسان صاحب منصب أو رتبة. عندها تصبح الكلمات محسوبة، والنبرة أكثر هدوءا، والعبارات أكثر انتقاء، وحتى نظرات العيون قد تحمل شيئا من الحذر. قد يختلف الناس معه، لكنهم يحرصون على ألا يظهر اختلافهم، وقد يخطئ في حقهم، فيبحثون له عن الأعذار. ليس لأنه أصبح فجأة أكثر علما أو أخلاقا، وإنما لأن منصبه أصبح يمنحه قدرة على التأثير فيهم. وهنا تظهر المشكلة الحقيقية: نحن في أحيان كثيرة لا نحترم الإنسان، وإنما نحترم السلطة التي يملكها. قد ترى شخصا واسع الثقافة، حسن الخلق، متواضعا، وصاحب تجربة طويلة، لكنه يعمل في وظيفة بسيطة، فلا يلفت ذلك كثيرا من الناس. وفي المقابل قد تجد شخصا محدود المعرفة أو ضعيف التعامل مع الآخرين، لكنه يشغل منصبا مهما، فيعامل وكأن منصبه وحده كافٍ ليمنحه مكانة استثنائية. وهنا يصبح السؤال مشروعا: هل المنصب يرفع قيمة الإنسان فعلا، أم إننا نحن الذين نرفع المنصب فوق الإنسان؟ المشكلة ليست في احترام صاحب المنصب؛ فالاحترام واجب مع الجميع، وقد تفرض طبيعة العمل تقدير المسؤول ومراعاة صلاحياته. المشكلة تبدأ عندما يصبح احترام المنصب سببا في احتقار من هم دونه وظيفيا، أو عندما تتحول الرتبة إلى مبرر للتكبر، ويصبح العامل أو الموظف البسيط أقل قيمة في أعيننا لمجرد أنه لا يملك سلطة. والأغرب أننا قد نخلط بين الخوف والاحترام. نخفض أصواتنا أمام من يستطيع محاسبتنا، ونختار كلماتنا بعناية أمام من يستطيع أن يضرنا أو ينفعنا، ثم نتعامل مع من لا نحتاج إليه بطريقة مختلفة تماما. وهذا من أكثر الاختبارات كشفا لأخلاق الإنسان؛ لأن حسن التعامل مع صاحب السلطة قد يكون سببه الخوف أو المصلحة، أما التعامل باحترام مع من لا يملك عليك شيئا، فهو الذي يكشف حقيقة أخلاقك. المنصب مسؤولية قبل أن يكون امتيازا، والسلطة اختبار قبل أن تكون وجاهة. ومن أعظم ما يمكن أن يفعله صاحب السلطة أن يجعل من حوله يشعرون بقيمتهم، لا أن يجعلهم يشعرون بصغرهم فالإنسان لا يعرف فقط بطريقة حديثه مع من هو أعلى منه، وإنما يعرف أكثر بطريقة حديثه مع من هو أضعف منه. هل يحفظ له كرامته؟ هل يصبر عليه؟ هل يخاطبه باحترام؟ أم إنه يرى في وظيفته البسيطة مبررا للتعالي عليه؟ وقد جاء الإسلام ليضع ميزانا مختلفا تماما عن هذه المقاييس. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾. فالكرامة الحقيقية لا يصنعها منصب، ولا تمنحها ثروة، ولا ترفعها رتبة. قد يكون إنسان لا يعرفه أحد أرفع قدرا عند الله من شخص تتجه إليه الأنظار، وقد يكون عامل بسيط أكثر قيمة بأخلاقه وأمانته من صاحب منصب كبير أساء استخدام سلطته. لذلك علينا أن نعيد النظر في الطريقة التي ننظر بها إلى بعضنا. المهنة ليست الإنسان، واللقب ليس الإنسان، والمنصب ليس الإنسان. هذه كلها أدوار تتغير، وقد يجد الشخص نفسه بعد سنوات في مكان مختلف تماما عما كان عليه. أما الأخلاق فهي الشيء الذي يبقى، وهي التي تجعل الإنسان جديرا بالاحترام حتى عندما لا يملك سلطة ولا نفوذا. فالمنصب مسؤولية قبل أن يكون امتيازا، والسلطة اختبار قبل أن تكون وجاهة. ومن أعظم ما يمكن أن يفعله صاحب السلطة أن يجعل من حوله يشعرون بقيمتهم، لا أن يجعلهم يشعرون بصغرهم. إن احترام أصحاب المناصب أمر طبيعي، لكن الاحترام لا ينبغي أن يتحول إلى احتقار لمن هم أدنى منهم في السلم الوظيفي. فالمنصب مسؤولية قبل أن يكون امتيازا، والسلطة اختبار للأخلاق قبل أن تكون مصدرا للهيبة. والإنسان العظيم ليس من يجعل الآخرين يخافونه، وإنما من يجعلهم يحترمونه حتى عندما لا يملك عليهم سلطة. لذلك، لا ينبغي أن يكون المسمى الوظيفي هو أول ما نرى به الإنسان. فالمهنة ليست الإنسان، واللقب ليس الإنسان، والكرسي ليس الإنسان. قد تتغير الوظائف، وتزول المناصب، وتتبدل الرتب، لكن ما يبقى هو أثر الإنسان في نفوس من حوله، والطريقة التي عاملهم بها حين كان قادرا على أن يعاملهم كما يشاء. في النهاية، لن يكون أهم ما في حياة الإنسان أنه كان مديرا أو مسؤولا أو صاحب منصب، وإنما أن يقال عنه: كان إنسانا يحترم الإنسان. |
رد: حين يصبح المنصب تقييما للإنسان
بــــــــــ الله فيك ـــــــــارك
وجزاك الله كل خير |
| الساعة الآن 10:28 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.