عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 21 - 12 - 2016
الصورة الرمزية ابو ساره
ابو ساره
النائب الاول
ابو ساره غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: 7 - 12 - 2013
المشاركات: 19,939
وسائل اكتساب الأخلاق






وسائل اكتساب الأخلاق

أحبتي في الله: قد يقول قائل: وكيف أكتسب تلك الأخلاق الحسنة وأطبقها؟!

أقول: هناك وسائل لتحصيل حسن الخلق تتمثل فيما يلي:

أولاً: الدعاء بحسن الخلق: كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بذلك. :” وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ؛ وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ ” (الترمذي)، وكان من دعائه أيضا – صلى الله عليه وسلم- ” اللَّهمَّ حسِّن خُلُقي كما حسَّنتَ خَلْقي “. ( ابن حبان والبيهقى) ؛ كذلك كان صلى الله عليه وسلم يستعيذ من سوء الخلق فكان يقول : ” اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ وَسُوءِ الْأَخْلَاقِ ” . ( أبو داود والنسائي)

لذلك اهتم الصحابة بحسن الخلق وطلبه من الله، فعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ : بَاتَ أَبُو الدَّرْدَاءِ اللَّيْلَةَ يُصَلِّي فَجَعَلَ يَبْكِي وَيَقُولُ : ” اللَّهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي، حَتَّى أَصْبَحَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ، مَا كَانَ دُعَاؤُكَ مُنْذُ اللَّيْلَةِ إِلا فِي حُسْنِ الْخُلُقِ، قَالَ: يَا أُمَّ الدَّرْدَاءِ، إِنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ يَحْسُنُ خُلُقُهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ حُسْنُ خُلُقِهِ الْجَنَّةَ، وَيَسُوءُ خُلُقُهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ سُوءُ خُلُقِهِ النَّارَ” (شعب الإيمان للبيهقي)

ثانيا: صحبة الأخيار: فينبغي على المرء أن يحسن اختيار الصاحب، لأنه يكون على هديه وطريقته ويتأثر بأخلاقه، كما قيل: الصاحب ساحب، حتى لو أردت أن تعرف أخلاق شخصٍ فسأل عن أصحابه.

قال الشاعر: عَنِ المَرءِ لا تَسأَل وَسَل عَن قَرينَهُ………….فَكُلُّ قَرينٍ بِالمُقارِنِ يَقتَدي

وقال آخر: واحـذرْ مُصاحبـةَ اللئيـم فـإنّـهُ ………… يُعدي كما يُعدي الصحيـحَ الأجـربُ

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ” [ أحمد وأبوداود والترمذي والحاكم وصححه ]. قال العلماء: يعني لا تخالل إلا من رضيت دينه وأمانته فإنك إذا خاللته قادك إلى دينه ومذهبه، ولا تغرر بدينك ولا تخاطر بنفسك فتخالل من ليس مرضيا في دينه ومذهبه.

وقد صور النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك فقال:” مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً”( متفق عليه ) يعني: هو مستفيد على كل حال، إما أن يعطيك، وإما أن يبيع لك، وإما أن يعلق فيك رائحة طيبة، كذلك الجليس الصالح: إما أن يأمرك بالخير، وإما أن ينهاك عن الشر، وإما أن يدعوك إلى الخير ويحضك عليه، فأنت مستفيد، كذلك جليس السوء إما أن يزهدك من الخير أو يرغبك في الشر، فأنت متضرر على كل حال.

حتى أن أثر الصحبة – صالحة أو طالحة – تعدَّى من عالم الإنسان إلى عالم الكلاب. قال تعالى: {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ } ( الكهف: 22) فقد استفاد الكلب من صحبة الأخيار، وهو الآن معروف أنه من أخس الحيوانات، ومع ذلك لما صاحب الأخيار صار له شأن وذكر معهم في القرآن وأصابه ما أصابهم،كما أن الكلب المعلم لما تعلم صار له ميزة وارتفع شأنه بالعلم، وصار يصيد بالتعليم، وله حكم يختلف عن بقية الكلاب، قال تعالى: {مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ } [المائدة:4]، حتى الكلاب إذا تعلمت صار لها شرف ومزية على غيرها.

ثالثاً: النظر في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح والتأمل في مواقفهم الرائعة. ولا سيما ونحن في ذكرى ميلاده صلى الله عليه وسلم أن نتخلق بأخلاقه ونهتدي بهديه؛ وهذا هو الاحتفال الحقيقي به صلى الله عليه وسلم؛ وكذلك مطالعة أخبار الصالحين، وقراءة سير النبلاء الفاضلين من أهل الإسلام من العلماء والعُبّاد والقادة والمصلحين، والتأسي بهم والاقتداء بجميل خصالهم.

رابعاً: التفكر في ثواب حسن الخلق وما أعده الله من النعيم: فصاحب الخلق الحسن يكون رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة؛ فعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: الْمُتَكَبِّرُونَ” [ أحمد والترمذي ]؛ وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ”[ أبوداود والبيهقي والطبراني ]؛ وعَنْ أَبِي الدرداء -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ -صلى الله عليه وسلم ” مَا مِنْ شَيْءٍ فِي اَلْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ اَلْخُلُقِ” ( أَبُو دَاوُدَ)

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ؟ فَقَالَ:” تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ” وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ؟ فَقَالَ:” الْفَمُ وَالْفَرْجُ” [ أحمد والترمذي وابن حبان والبيهقي ].

خامساً: مخالطة الناس: ذلك أن المرء بالمخالطة يرى أصنافا من الناس وأنواعًا من الأخلاق؛ فيها الحسن وفيها السيئ، فما كان منها حسنا حاول أن يتأدب ويتخلق به، وما كان منها سيئا تنفر منه الطبائع والنفوس السليمة ابتعد عنه وحذره . وقد قيل لنبي الله عيسى – عليه السلام – وقد سئل: من أدبك؟ فقال عليه السلام: “رأيت جهل الجاهل شينًا فاجتنبته”. وروي أنه عليه السلام مر بقوم من بني إسرائيل فقالوا له شراً ، فقال خيراً، فقيل له: إنهم يقولون لك شراً وتقول خيراً؟! فقال لهم عليه السلام : كل واحد ينفق مما عنده !!

سادساً: تمرين النفس على فعل الأخلاق الحسنة بالتطبيق العملي واستفراغ الوسع على ترك الأخلاق السيئة. ومجاهدة النفس وحملها على التخلق بالأخلاق الحسنة؛ فيحمل الإنسان نفسه على الحلم والصبر والبشاشة على الدوام والاستمرار؛ حتى تعتاد نفسه ذلك، فتكون تلك الأخلاق الحسنة سجية دائمة؛ إذ كثيرا ما تكون الأخلاق تكلفا وتجملا في البداية، ثم تصير طبعا وسجية للنفس في النهاية.

أيها المسلمون: علينا أن نغير ما بأنفسنا من أخلاقٍ سيئة وأحقاد منتنة وأفكار عفنة متطرفة وقلوب متشاحنة؛ وصدق الله حيث يقول: { إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ }. (الرعد: 11).

التوقيع

رد مع اقتباس